ابن حزم
14
المحلى
بإحدى الروايتين دون الأخرى الا بحجة بينة ، لا بالهوى والمطارفة ، فلو صحت هذه الآثار - وهي لا تصح - لكان حكمه صلى الله عليه وسلم بأن الكلب والحمار والمرأة يقطعون الصلاة - هو الناسخ بلا شك لما كانوا عليه قبل ، من أن لا يقطع الصلاة شئ من الحيوان ، كما لا يقطعها الفرس والسنور والخنزير وغير ذلك ، فمن الباطل الذي لا يخفى ولا يحل ترك الناسخ المتيقن والاخذ بالمنسوخ المتيقن . ومن المحال أن تعود الحالة المنسوخة ثم لا يبين عليه السلام عودها ( 1 ) *
--> ( 1 ) الراجح أن حديث قطع الصلاة بهذه الأشياء حديث منسوخ ، فان قول النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يقطع الصلاة شئ ) فيه إشارة إلى أنه كان معروفا عند السامعين قطعها بأشياء من هذا النوع بل هو يكاد يكون كالصريح فيه لمن تأمل وفكر في معنى الحديث . ثم قد ورد ما يؤيد هذا ، فروى الدارقطني ( ص 140 و 141 ) والبيهقي ( ج 2 ص 277 و 278 ) من طريق إبراهيم بن منقذ الخولاني ( ثنا إدريس بن يحيى أبو عمرو المعروف بالخولاني عن بكر بن مضر عن صخر بن عبد الله بن حرملة أنه سمع عمر بن عبد العزيز يقول عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بالناس فمر بين أيديهم حمار فقال عياش بن أبي ربيعة . سبحان الله . سبحان الله . سبحان الله ، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من المسبح آنفا سبحان الله ؟ قال : أنا يا رسول الله ، إني سمعت ان الحمار لا يقطع الصلاة ، قال : لا يقطع الصلاة شئ ) وقد رواه الباغندي في مسند عمر بن عبد العزيز عن عبد الله بن هشام بن عبيد الله ، ثم رواه الحافظ أبو الحسين محمد بن المظفر بن موسى - راوي المسند عن الباغندي - عن محمد ابن موسى الحضرمي عن إبراهيم بن سعد ، كلاهما عن إدريس بن يحيى ، ولم أجد ترجمة لإدريس هذا ، وما أظن أحدا ضعفه ، ولذلك لما أراد ابن الجوزي في التحقيق أن ينصر مذهبه ضعف الحديث بصخر بن عبد الله فأخطأ جدا لأنه زعمه ( صخر بن عبد الله الحاجبي المنقري ) وهو كوفي متأخر روى عن مالك والليث وبقى إلى حدود سنة 230 ، وأما الذي في الاسناد فهو ( صخر بن عبد الله بن حرملة المدلجي ) وهو حجازي قديم كان في حدود سنة 130 وهو ثقة . ثم إن الباغندي قال في مسند عمر ( ص 3 ) : ( حدثنا هشام بن خالد الأزرق نا الوليد بن مسلم عن بكر بن مضر المصري عن صخر بن عبد الله المدلجي قال سمعت عمر بن عبد العزيز يحدث عن عياش بن أبي ربيعة المخزومي قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى يوما بأصحابه إذ مر بين أيدينا حمار فقال عياش سبحان الله ، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أيكم سبح ؟ قال عياش : أنا يا رسول الله ، سمعت ان الحمار يقطع الصلاة : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يقطع الصلاة شئ ) وقد قلت في شرحي على التحقيق لابن الجوزي بعد رواية هذا الحديث ( وهذا اسناد صحيح إلا أن عمر بن العزيز لم يسمع من عياش فقد مات سنة 15 ، ولكنه محمول على الرواية الأخرى عن أنس ، وكأن عمر لما سمعه من أنس صار يرويه مرة عنه ومرة يرسله عن عياش ، يريد بذلك رواية القصة لا ذكر الاسناد ، وهذا كثير من رواة الحديث وخصوصا القدماء . وهو صريح في الدلالة على أن الأحاديث التي فيها الحكم بقطع الصلاة - بالمرأة والحمار والكلب - منسوخة ، فقد سمع عياش ان الحمار يقطع الصلاة ، وعياش من السابقين الذين هاجروا الهجرتين ، ثم حبس بمكة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو له في القنوت كما ثبت في الصحيحين ، فعلم الحكم الأول ثم غاب عنه نسخه ، فأعلمه رسول الله بعد : أن الصلاة لا يقطعها شئ ) . وهذا تحقيق دقيق واستدلال طريف لم أر من سبقني إليه